الشيخ محمد رشيد رضا

259

الوحي المحمدي

التاريخ ، وأن ما قد يصح منه عقيم لا ينتج ما ادعوه ، وعلمتم أنه في جملته مخالف للعلم والفلسفة وطباع البشر وسنن الاجتماع ووقائع التاريخ . ونحن نتحداكم الآن بالإتيان بعلل أخرى لما عرضناه على أنظاركم من وحى الله تعالى وكتابه لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم مع القطعي من تاريخه - علل يقبلها ميزان العقل المسمى بعلم المنطق ، وسنن الإنسان ، وعلم الاجتماع . فإن لم تستطيعوا - ولن تستطيعوا - أن تأتونا بعلل تقبلها العقول ، وتؤيدها النقول فالواجب عليكم أن تؤمنوا بنبوّة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ورسالته ، وبكتابه المنزل عليه من عند الله تعالى لإصلاح البشر ، وأن تتولوا الدعوة إلى هذا الإيمان ، ومعالجة أدواء الاجتماع الحاضرة به ، بعد أن عجزت علومكم الواسعة ، وفلسفتكم الدقيقة أن توقف عدوى فساد الإباحة وعبادة الشهوات وفوضى الأفكار في الأمم ، وعجزت عن منع دول حضارتكم أن تنفق معظم أموالها المنتزعة من شعوبها ومستعمراتها في الاستعداد لحرب البغى والعدوان المدمرة ، وتأريث العدوات بين شعوب الأرض كافة ، بل زادوا شعوبهم عداوة وشنآنا وبغيا وعدوانا ، بما هو شر مما عليه قبائل الهمج وسباع الوحش والطير والسمك ؛ فقد كان غاية شوط هذه العلوم الواسعة عند هذه الدول أعظم نكبة على البشر ، فإن أبيتم وتوليتم أيها العلماء عن دعوة الإسلام إلى السلام ، فعليكم إثم شعوبكم ودولكم وسائر الناس . لقد كتب النبي صلّى اللّه عليه وسلم لكل ملك وزعيم دعاة إلى الإسلام : « فإن تولّيت فعليك إثم من ولّيت أمرهم » . ونقول لكم اليوم : فإن توليتم فعليكم إثم البشر كلهم ، لأنكم إذا أظهرتم الإيمان وتواطأتم على نشر الدعوة إليه ، لا تلبث جميع الشعوب أن تستجيب لكم ، وترغم حكوماتها على الأخوة الإنسانية والسلام ، بهداية الإسلام .